This article isn't available in English yet. You're reading the original in العربية.
Back to Theaterقرط.. حتى الأحلام تموت ببطء أحيانًا
By محمد علّام
يبدأ العرض التونسي "قرط" من دراماتورجيا وإخراج محمد بوسعيدي، باثنين من الفنانين يقفان على يمين ويسار المسرح، وبجانب أحدهما يجلس عازف الدرامز، يقدمان أغنية في مكان ما، سرعان ما نتعرف على المكان بوصفه مقهى أو كازينو، لا نستطيع أن نستدل على ذلك بوضوح، ولكن يمكن القول إنه مكان ما يلتقي فيه الناس ببعضهم البعض. ومع انتهاء المغنية من فقرتها، يقدم المغني أنشودة لحنية، وإلى طاولة مستطيلة تمتد أمامهما يجلس شاب وفتاة، ومع خفوت صوت الغناء، يعلو صوت حديثهما حول العديد من المشاعر، مثل الغضب والخوف، والألم.. وغيرها. تعتمد ما بعد الحداثة على خلط عدة أساليب داخل العمل الواحد، ما يؤثر على الوحدة والهيكل الموحد للعمل، ويزيد من حالة الغموض العامة التي يغرق فيها المتلقي، وهذا يفسر أيضًا الرفض الشرس لتيار ما بعد الحداثة لوضع الحدود والمعايير الثابتة، باعتبار أن كل مغامرة فنية هي تجربة جمالية جديدة على حدة لا تتصل ولا ترتبط بما سبقها أو ما يليها. يعتمد العرض منذ البداية على السير في نسق من المد والجزر بين شاب وفتاة، أحدهما يحاكم الآخر، والآخر يمتثل مرة ويدافع مرة، ويهاجم مرة، وهكذا تتبدل الأدوار طوال العرض، وهذا النسق يضعنا على طاولة نقطة مركزية في الجزء الأخير من العرض، وهي أن أحد الأطراف يود الهجرة أو مغادرة البلاد، والآخر يرفض هذا القرار، ودون أن نتبين المبررات بوضوح أو نقف على دوافع كل طرف وما جعله يتبنى موقفه؛ فإننا بشكل أو بآخر أمام صراع بين نموذجين أحدهما يتمسك بشدة بالبقاء في موقعها مع أحلامه وذكرياته وآماله، والآخر يرى أن حتى الأحلام تموت أيضًا ولو ببطء، ولذلك لا بد من الخروج إلى البحث عن أحلام جديدة وذكريات جديدة. وإذا فكرنا فيما هو أبعد من حكاية درامية خطية، سنجد العديد من المواقف والانفعالات التي تظهر مع شدة الصوت، وحدة الأداء، وقسوة الإلقاء الاحتجاجي في مواجهة الجمهور، ما يحيلنا إلى أننا في قلب أزمة تفاهم عنيفة بين شخصين، أو نمطين من أنماط الحياة، حتى صار الحوار بينهما في بعض الأحيان أشبه بمعركة كلامية يشنها كل منهما وهو على مقعد مقابل للآخر. من المعتاد في عروض بعد الدراما، أن يُؤدي غياب السياق والاعتماد على النسق إلى اهتزاز في سلطة اللغة، ما يؤدي إلى تكوُّن ونُشُوء سلطة جديدة على خشبة المسرح، تتجاوز الدراما، وهي سلطة الأداء، والصورة المسرحية بمفهومها الكلي.. ولكن هذا لم يحدث في عرض قرط، ففي الوقت الذي نسير فيه في نسق العرض، ترتفع سلطة اللغة المنطوقة، ويقل حضور الجسد، حتى يتم تقديم أغلب مشاهد العرض حالات استاتيكية، بالإضافة إلى أن الصورة المسرحية لا تضيف تكاملًا جديدًا مع اللغة الاحتجاجية أو الأداء الاستاتيكي الطابع. ومع ذلك سار العرض العرض التونسي "قرط"، في طريق المحاججة الكلامية بين الشاب والفتاة، تقطعها فواصل غنائية في بعض الأحيان من خلال الفرقة الغنائية التي تقيم في الجزء الأعمق من خشبة المسرح. وفي هذه الحالة التي يعتمد فيها التواصل مع العرض على الحوار اللفظي المنطوق، فإن اللغة المحلية تشكل عائقًا في التواصل مع العرض، خاصة في حال التقديم لجمهور مختلف عن التواصل اليومي بهذه اللغة. قد كان من الممكن ألا تشكل اللغة عائقًا واضحًا في التواصل، لو أن عنصر الأداء حمل عبء إيفاء العرض بمواثيقه مع المشاهدين، وهكذا يضعنا عرض "قرط" أمام محاولة صياغة موقف من أزمة غامضة، وغير قادرة على إلقاء ظلالها على المشاهدين. يعبر عنصر الأداء عن مزيج من البوح والتعبيرية الجسدية (في مناطق قليلة). الشاب والفتاة، يستخدمان الحوار كوسيلة لفتح قضايا وجودية ومجتمعية، في أداء أشبه بإلقاء بيان احتجاجي في وجه المشاهدين، ويمكن الإشارة إلى أن الخوف والغضب هما الوجهان الأساسيان للعرض التونسي "قرط". أن يُشعر المتلقي بأنه جزء من النسيج الحي للعرض، وقد ساهمت بعض الأبيات والأغاني التي تلقيها الفرقة من وقت لآخر في ذلك، حيث يمتزج التمثيل بالغناء والحوارات اليومية، لكن هذا المزيج في ظل عدم التواصل اللغوي -باعتبارها المسلك الوحيد للنفاذ للعرض- قد يؤدي إلى إرباك المشاهد وإجباره على إعادة التفكير في توقعاته من العمل المسرحي. فلا توجد حبكة تقليدية تُروى، ولا دلالات جسدية يمكن الاهتداء بها، بل شبكة من المواقف والعلاقات المعقدة التي يتم البوح بها على لسان الشخصيات. في عرض "قرط"، تموت الأحلام ببطء من خلال مشهدية متداخلة تجمع بين الحوار، والأداء الجسدي، والموسيقى، لتجسد تحول الأمل إلى خيبة، والطموح إلى إحباط. ويركز العرض على حوار دائم بين شاب وفتاة يتنقلان بين حالة من الرفض والموافقة، المواجهة والدفاع، في محاولة للتعبير عن صراعهما الداخلي حول فكرة الهجرة والبقاء. هذا الحوار المتكرر والمشحون بالعواطف يكشف عن آمال وأحلام متضاربة لكل من الشخصيتين، اللتين تجد كل منهما نفسها مقيدة بجدران غير مرئية من الارتباك والتردد. يتجلى موت الأحلام ببطء من خلال اللغة الاحتجاجية الثابتة والرتيبة التي يستخدمها الشخصان، والتي تُظهر العجز عن اتخاذ خطوات حاسمة تجاه أي قرار. كل محاولة للتغيير أو الهروب من الواقع تُقابل بمقاومة داخلية وخارجية، مما يجعل كل كلمة نطق بها ثقيلة وكأنها تُغرق المتحدث في بحر من الضغوط والقيود. هنا، يصبح الحوار الطويل والمتكرر رمزًا لمأزق الشاب والفتاة، وهو ما يؤدي إلى تشتيت تركيز الجمهور، ويعزز شعورهم بالجمود والروتين الممل. الطبيعة الثابتة للحركات الجسدية والأداء تعزز هذه الفكرة، حيث يتنقل الممثلون بحذر بين الوقوف والجلوس، وبين حالات استاتيكية من دون حيوية حقيقية، وكأنهم محاصرون في مساحة ضيقة لا تمكنهم من الانطلاق أو التحرر. لا يُظهر العرض أي تقدم ملموس أو حل للمشاكل المطروحة، بل يستمر في الدوران حول نفس النقاط والقضايا، مما يخلق إحساسًا بأن الأحلام قد وصلت إلى طريق مسدود، ولم تعد قادرة على النمو أو التحقق. كما تساهم الموسيقى والفرقة الغنائية في تعزيز هذا الشعور بالتراجع والجمود. فالفواصل الغنائية التي تقطع الحوار ليست سوى محطات قصيرة من التأمل أو الاستراحة من عبء الكلمات، لكنها لا تقدم شيئًا جديدًا لتطوير السرد أو دفع الشخصيات نحو حلول حقيقية. بدلاً من ذلك، تعود الشخصيات إلى نفس النقاشات والمعضلات، مما يعكس دورة لا تنتهي من الإحباط والتساؤل. وفي النهاية، يُبرز عرض "قرط" التحدي الذي تطرحه ما بعد الحداثة على الشكل المسرحي التقليدي، حيث يتم تفضيل الحرية الإبداعية والتعبير المتنوع على التناسق النصي أو السياقي. وبذلك، يتحول المسرح من كونه منصة سرد قصص إلى مساحة للتفاعل الحر والانغماس في حالة متصلة من الاحتجاج الأدائي والموسيقي، في محاولة لصياغة رؤى جديدة للتواصل الفني بين الممثل والجمهور.
Rate this article
Comments (0)
No comments yet.
