الملك لير.. من المأساة إلى الفرجة
بقلم محمد علّام

تكشف الإضاءة عن جثتين إحداهما هي الملك لير، والأخرى هي كورديليا الابنة الصغرى. وبينما يكتشف المهرج خبر وفاة "لير" يدخل السجان، ويتطور الحوار بينهما حول الجانب الآخر من قصة هذا الملك الذي فقد حياته في زنزانة بلا جاه أو صولجان. وهكذا يقدم المخرج محمود الحسيني عرض هل هذا لير؟ من ضمن أوراق صندوق التنمية الثقافية للمشاركة في منافسات الدورة 19 من المهرجان القومي للمسرح المصري.
ثمة فرق واضح يميز أداءنا نحن المصريين لأعمال شكسبير، لأن تدريب الممثل المصري متنوع ويركز على المشاعر؛ وما زلنا نولي أهميةً كبيرةً لمفاهيم ستراسبرغ وستانسفلاسكي حول الأصالة والصدق النفسي والعاطفي، وكيفية استلهام الممثل لتجاربه الذاتية ومحاولة خلق شخصيات واقعية ومؤثرة. وإن كان البريطانيون مازالوا يميلون إلى الالتزام بالحد الأدنى من النص؛ فإننا نوجه ولاءنا للقصة، للسياق وتسلسل الأحداث.

تفاوض أم استيلاء على مركزية السرد؟
لا يمكن التعامل مع أي معالجة عربية لنصوص شكسبير بوصفها مجرد إعادة إنتاج جمالي، وإنما بوصفها فعلًا ثقافيًا يدخل في علاقة تفاوض مع أحد أكثر النصوص رسوخًا داخل المركزية الغربية. فمنذ القرن التاسع عشر، ارتبط حضور شكسبير في الثقافة العربية بتاريخ طويل باعتباره نموذجًا عالميًا للدراما، وهو ما يجعل كل إعادة تقديم له فعلًا يتجاوز المسرح إلى مساءلة علاقة الهامش بالمركز.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو معالجة محمود الحسيني مجرد اختزال لنص الملك لير، بل محاولة للاستيلاء على النص وإعادة امتلاكه داخل سياق مسرحي مصري. فالافتتاح الذي يبدأ من موت لير، ووجود السجان والمهرج بوصفهما حاملين للسرد، يمثلان خروجًا عن سلطة النص الأصلي، وإعلانًا بأن الحكاية لم تعد تُروى من منظور الملك، بل من منظور الشخصيات الواقعة على هامش السلطة. وهنا ينتقل مركز الخطاب من الملك إلى التابع، وهو انتقال ينسجم مع أحد أهم أسئلة دراسات ما بعد الكولونيالية حول إعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر المهمشين.
وهكذا تكشف معالجة العرض عن قدرة واضحة على تقديم الحكاية في صورة مكثفة ومتماسكة ظاهريًا، بما يحافظ على الحد الأدنى من وضوح الخط السردي ويمنح الإيقاع قدرًا من الحيوية. غير أن نجاح العرض في إعادة سرد الوقائع لا يوازي بالضرورة نجاحه في استيعاب البنية الفكرية والدرامية للنص؛ إذ إن اختزال الأحداث لا يعني بالضرورة إعادة إنتاج العلاقات المعقدة التي تشكل جوهر المأساة الشكسبيرية.

انحياز جمالي أم تفكيك قداسة النص الشكسبيري؟
يبدو أن الرؤية الإخراجية لمحمود الحسيني انحازت إلى تكثيف التفاصيل الإجرائية وإدامة الإحساس بالحركة، أكثر من انشغالها بتطوير البنية الدلالية للصراع. فمن خلال تقليص النص إلى نحو ساعة، اكتسب العرض إيقاعًا سريعًا وحركة متصلة، إلا أن هذا التكثيف المفرط جاء على حساب التدرج الدرامي وتنامي العلاقات بين الشخصيات، وهو ما يثير سؤالًا نقديًا حول الغاية الجمالية لهذا التسريع: هل كان اختزال الزمن وسيلة لإعادة إنتاج جوهر النص، أم أنه تحول إلى هدف في ذاته، جعل الحركة تتقدم على حساب المعنى؟
اعتماد العرض على الميتامسرح، وإظهار عملية صناعة المسرحية أمام الجمهور، يمكن قراءته باعتباره محاولة لتفكيك قداسة النص الشكسبيري ذاته. فالعرض لا يقدم الملك لير باعتباره نصًا مغلقًا يجب الحفاظ على بنيته، بل باعتباره مادة قابلة للعب والتشكيل وإعادة الإنتاج. وهنا يتحول النص الكلاسيكي من مرجع ثابت إلى خامة ثقافية يمكن للمسرح المحلي أن يعيد توظيفها وفق احتياجاته الجمالية.
إلا أن هذه المحاولة ظلت، في الوقت نفسه، أسيرة المرجعية الغربية التي سعت إلى تجاوزها. فالعرض، رغم تحرره من البنية السردية الأصلية، لم ينتج خطابًا محليًا بديلًا يعيد تأويل مأساة لير انطلاقًا من أسئلة الواقع المصري أو العربي، وإنما انشغل أساسًا بإعادة ترتيب الوقائع وإعادة إنتاجها في صورة أكثر اختزالًا وسرعة. وبذلك ظل الصراع يتحرك داخل الإطار الفكري نفسه الذي صاغه شكسبير، دون أن يخضع لإعادة تأويل ثقافي حقيقية تنقله من كونه نصًا عالميًا إلى نص يحمل خصوصية السياق المحلي.

الزخرفة البصرية في مواجهة البناء الدرامي
يكشف عرض هل هذا هو لير؟ عن انحياز واضح إلى الزخرفة البصرية والاستعراض الأدائي على حساب البناء الدرامي، إذ تحولت العناصر السيركية والألعاب الحركية إلى غاية في ذاتها، بدلًا من أن تكون أدوات تخدم الفعل المسرحي. وقد أضعف هذا الإفراط في الإبهار البصري البنية الدرامية منذ بدايتها، كما أسهم تكرار الدلالات بصيغ بصرية متشابهة في إبطاء الإيقاع دون إنتاج مستويات جديدة من التأويل.
وعلى مستوى المعالجة الدرامية، شهد النص اختزالًا مخلًا للشخصيات والمحاور الأساسية. فقد اختُزلت شخصية كورديليا في حضور عابر، بما أفقدها ثقلها الأخلاقي والإنساني، وانعكس سلبًا على الأثر الشعوري للنهاية. كما امتد الاختزال إلى الحبكة، عبر حذف حوارات ومواقف مفصلية أضعفت تدرج الصراع ونمو القضايا الفكرية والإنسانية.
كذلك أدى دمج شخصيتي ابني جلوستر إلى إفقاد الخط الدرامي الموازي تعقيده القائم على ثنائية الشرعية والخيانة، وإلغاء التوتر بين إدجار وإدموند. وجاءت معالجة ريجان وجونريل معالجة مقتضبة، فلم تتأسس دوافعهما النفسية والسياسية بما يكفي، مما أضعف تصاعد الصراع الأسري. كما اختُزلت المواقف المحورية التي تجمع إدجار وإدموند وكينت، وهو ما أخلّ بالتوازن البنائي بين الخطوط الدرامية المختلفة، وأفقد العرض جانبًا مهمًا من كثافته الفكرية والإنسانية.
الملك لير.. لعبة مسرحية
يعتمد العرض على منطق اللعب بوصفه البنية المنظمة للفرجة، مستفيدًا من تقنيات الميتامسرح التي تكشف آليات صناعة العرض بدلًا من إخفائها. يبدأ التمثيل منذ دخول الجمهور إلى القاعة، حيث يتحول فضاء الاستقبال إلى جزء من التجربة، قبل إزالة الحواجز إيذانًا ببدء اللعبة المسرحية. غير أن هذا التمهيد، رغم طابعه الاحتفالي، لم يضف وظيفة درامية أو دلالية واضحة، وبدا أقرب إلى إجراء شكلي منه إلى ضرورة بنائية.
ويتجسد هذا المنطق في شخصية المهرج، الذي يدير اللعبة المسرحية، ويفتح صندوقه ليستخرج شخصيات الملك لير، فيغدو راويًا وصانعًا للعرض معًا. وتبلغ التقنية ذروتها حين يُشرك السجان في الأداء عبر التلقين، فتتحول عملية تكوين الشخصية إلى فعل مرئي أمام الجمهور، بما يعزز وعي المتلقي بفعل التمثيل. وقد نجحت هذه الآلية في كسر رتابة السرد وإبراز العرض بوصفه لعبة مسرحية واعية بذاتها، لكنها ظلت تؤدي وظيفة إيقاعية أكثر من إسهامها في تعميق الصراع أو إعادة تأويل النص. وينطبق الأمر نفسه على عناصر أقرب ألعاب السيرك الاحتفالية، والتي منحت العرض طابعًا فرجويًا، لكنها بقيت عنصرًا استعراضيًا لم يرتقِ إلى بناء رؤية جمالية أو ثقافية بديلة للمأساة الشكسبيرية.
وهكذا، يكشف العرض عن مفارقة مألوفة في كثير من اقتباسات شكسبير العربية؛ فهو يتمرد على النص في شكله، لكنه يبقى وفيًا له في بنيته الفكرية. لذلك جاءت العلاقة مع النص علاقة تفاوض جزئي لا قطيعة كاملة؛ إذ نجح العرض في زحزحة مركز السرد وتقويض قداسة النص، لكنه لم يبلغ مرحلة إنتاج خطاب ما بعد كولونيالي قادر على تحويل الملك لير إلى نص جديد ينتمي بالكامل إلى السياق الثقافي الذي أُعيد تقديمه فيه.
قيّم هذا المقال
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد.
اقرأ أيضًا

خليك بالبيت.. حين يُقتل الصراع على كرسي هزّاز
المسرح20 أكتوبر 2026
متاح بـالعربيةاللغة الأصلية: العربيةبقلممحمد علّام
قرط.. حتى الأحلام تموت ببطء أحيانًا
المسرح18 أكتوبر 2026
متاح بـالعربيةاللغة الأصلية: العربيةبقلممحمد علّام

حيث لا يراني أحد.. مرثية الإنسان المعاصر
المسرح17 أكتوبر 2026
متاح بـالعربيةاللغة الأصلية: العربيةEnglishAIبقلممحمد علّام