انتقل إلى المحتوى

خليك بالبيت.. حين يُقتل الصراع على كرسي هزّاز

متاح بـالعربيةاللغة الأصلية: العربية

بقلم محمد علّام

0.0(0 تقييم)قرأه 1

يتبدّى البيت –كما العنوان– قوقعةً مغلقة لا يخرج منها الصوت إلا ليعود الصدًى إلى جدرانها الباردة. بيتٌ عصريّ الملامح، فيه كرسي هزّاز يترنّح كأنّه ذاكرة الجسد الأنثوي المهدور، في منزل عصري؛ به كرسي هزاز على الجانب الأيمن، وفي المنتصف مقعدين ومنضدة صغيرة في الوسط تتدلّى فوقها روحُ التفاوض الصامت بين السيد وضحيّته. وفي العمق المطبخ وعلى الجانب الأيسر كنصول بسيط تضع عليه بعض الأنتيكات؛ يبدأ عرض «خليك بالبيت»، دراماتورج وإخراج وبطولة أمنية حسين، عن نص «المطبخ» لمحمد عادل النجار، بمشهد استقبال الزوجة لزوجها العائد من العمل، المشهد الأول وحده كافٍ لزرع شعور بالاختناق؛ خاصة مع تكراره بنفس الصورة طوال العرض.

ترقد الزوجة على كرسي هزاز، أثناء عودة زوجها من العمل، تنزع عنه جاكته، تنحني بإخلاصٍ يشبه العبادة. هو رجل متصلّب، صلف، يرى في نفسه معيار الصواب والعقل، وفيها مجرد امتدادٍ لخدمته. كل ما يقوله قانون. حتى حين تخبره أن الكيس الذي جلبه مكتوب عليه «نشا» لا «دقيق»، يثور غاضبًا: «لما أقول دقيق، يبقى دقيق!»، فترد بخضوعٍ مطلق: «زي ما تقول، دقيق». بهذه البساطة، يضعنا العرض أمام منظومة استعباد عاطفي تمارس القهر باسم الحب، ولكننا في الحقيقة أمام أزمة شره للتملك والسطو على كل شيء حتى لو كان السطو على حرية شخص آخر! سلطة الطاووس واستلاب الشبح الزوج هنا ليس مجرد متسلّطٍ، بل نموذج نرجسي طاووسي، لا يرى الآخر إلا مرآةً يلمع فيها بريق ذاته. والزوجة ليست امرأةً مهزومة بقدر ما هي كائنٌ منزوع الإرادة، محاها الزمن والقهر حتى غدت ظلًّا بلا كيان. وهكذا تمضي الأحداث في انحدار نحو العدم، تتورّط فيها الزوجة في لعبةٍ مألوفة لدى علماء النفس: عقدة المنقذ، إذ تظنّ أنها قادرة على إصلاح الوحش الذي يدمّرها. وفي أحد حواراتها مع أخيها، تقول إنها تستطيع تغييره. الجملة تمرّ خافتة، لكنها تكشف المأساة الأعمق: أن الحبّ عندها ليس مشاركة، بل مشروع «ترميم» للرجل المكسور الذي يبتلعها. حين يدخل عنصر المومس إلى البيت، يتّسع المسرح فجأة على احتمالاتٍ جديدة. وجودها يفترض أن يكون صدمةً محرّرة، لكنها سرعان ما تتحوّل إلى انعكاسٍ آخر للقيود ذاتها. فالمومس ليست رمزًا للحرية، بل أسيرةُ شروطٍ أخرى: المال، الجسد، والنجاة من الجوع. يحاول العرض أن يجعلها أداة وعيٍ للزوجة، لكنها تظلّ محاصرة في خطاباتها هي أيضًا، ما يجعل مشهد المواجهة الثلاثي بين الزوج، والزوجة، والمومس، يبدو أقرب إلى تشويش درامي منه إلى تصعيدٍ للصراع. تتكاثر العلاقات الجانبية: علاقة المومس بأخ الزوجة، ثم حواراتها مع الزوج نفسه، فيتفرّع النص إلى مساراتٍ تضعف مركزه الأصلي — علاقة الاستغلال النرجسي بين السيد وضحيته. كوميديا الوجع وأزمة المعنى ينجح العرض في صياغة لحظاتٍ كوميدية شديدة القسوة، ذلك النوع من الكوميديا السوداء التي تولد من الألم لا من الدعابة. الجمهور يضحك لأن الموقف مألوف إلى حد الفجيعة: امرأة تُصفع بالعبارات نفسها التي تسمعها آلاف النساء كل يوم، لكنها تبتسم. هنا تتحول الكوميديا إلى قناعٍ للحزن الجمعي، وتتحوّل الضحكة إلى صفيرٍ خافت داخل قوقعة العجز. كل ذلك التمهيد النفسي والرمزي، كل ذلك التراكم في بناء العلاقة المريضة، كان يمكن أن يقود إلى انفجارٍ دراميٍّ يمزّق دائرة الاستلاب. غير أنّ العرض يختار طريقا آخر تمامًا وهي حيلة الحلم. في اللحظة الأخيرة، تغادر الممثلة -الزوجة التي عشنا معها طوال العرض- إلى الكواليس، وتظهر المومس على الكرسي الهزّاز، مرتديةً ثياب الزوجة ذاتها. تستيقظ ببطءٍ من نومٍ عميق، فنكتشف أن ما رأيناه لم يكن سوى «حلم» عاشته الزوجة. تلك الخاتمة، رغم ما فيها من نَفَسٍ رمزيٍّ قابلٍ للتأويل، جاءت كصفعةٍ مضادة للمضمون نفسه. إذ إنها لم تفتح أفقًا جديدًا، بل ألغت الصراع بأكمله، وجرّدت العرض من واقعيته القاسية التي كانت تمنحه صدقه وقوّته. إن تحويل القهر الحقيقي إلى حلمٍ عابر يقتل الألم في مهده، ويحوّل الوجع الاجتماعي إلى مجرد كابوسٍ خاصٍّ بالبطلة، بدلاً من كونه مرضًا هيكليًا في منظومة السلطة الأبوية. بين الصدق والتشتت هذه العلاقة المسمومة بين الزوج النرجسي والزوجة الخاضعة ليست جديدة على المسرح العربي. لقد رأينا أصداءها في مسرحيات عديدة؛ حيث يتحوّل القمع الأسري إلى استعارة للسلطة السياسية، لكنّ «خليك بالبيت» يقدّم تلك العلاقة في صورةٍ مكثّفة ومباشرة، خالية من التجميل أو البلاغة؛ كأنها تقول لنا: «ها هو القهر كما هو، بلا استعارات ولا شِعارات». ولهذا كان مؤلمًا أن يتراجع العرض في لحظته الأخيرة، وينسحب من منطقة المواجهة إلى منطقة الحلم، وكأنّ المخرجة خافت من أن تُترك الشخصية في مواجهة مصيرها الحقيقي. لا يمكن إنكار أن أمنية حسن تمتلك حضورًا تمثيليًا طاغيًا، وأنها استطاعت أن تُبقي الجمهور مشدودًا رغم بطء الإيقاع في مواضع عديدة، لكن الرغبة في الجمع بين الرمزية والواقعية أوقعت العرض في ارتباكٍ بصري وسردي، إذ لم يحسم موقفه بين أن يكون لوحة نفسية مغلقة أو صرخة اجتماعية مفتوحة. ربما كان يحتاج إلى قدرٍ أكبر من الاختزال والتركيز على الخط الرئيس، ليتحوّل الكرسي الهزّاز من مجرد قطعة ديكور إلى أيقونةٍ وجودية تعبّر عن كل امرأةٍ تهتزّ تحت وطأة الخوف، ثم تستعيد ثباتها ولو لحظة. عرض خليك بالبيت يمتلك جرأة الكشف عن العنف النفسي المسكوت عنه، لكنه في الوقت نفسه يخون صدقه الفني في اللحظة الأخيرة، وبدل أن يُفجّر السؤال حول مصير المرأة المقهورة، يُغلق الباب بإحكامٍ، تاركًا كل شيء في دائرة الحلم، وهكذا يعود المشهد إلى بدايته: كرسيٌّ يهتزّ، وزوجةٌ تصحو أو لا تصحو، بينما العالم من حولها لا يزال يعيد إنتاج القهر نفسه، في بيوتٍ كثيرة، خلف أبوابٍ مغلقة، حيث «البيت» ليس مأوى.. بل سجنٌ مؤثث بالاعتياد.

قيّم هذا المقال

سجّل الدخول لتقييم المقال.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد.

اقرأ أيضًا